الراغب الأصفهاني
312
الذريعة إلى مكارم الشريعة
« ما من وعاء أبغض إلى اللّه من بطن مليء من حلال » « 1 » وذاك أن امتلاء البطن مقو للشهوة وقوة الشهوة داعية للهوى والهوى أعظم جند للشيطان ومن آثر هواه وانتشر في بدنه حل في كل عضو منه جزء بقدر وسعه له فكثر جنود الشيطان ، والشيطان إذا تسلط على الإنسان سباه من ربه وصرفه عن بابه ، وقد قيل لحكيم ما بالك مع كبرك لا تتفقد بدنك وقد انهد فقال لأنه سريع المرح فاحش الأشر ، فأخاف أن يجمح بي فيورطني ولأن أحمله على الشدائد أحب إليّ من أن يحملني على الفواحش . والضرب الثاني من المطعم ما يستغنى عنه ولو توهمناه مفقودا لم يختل بافتقاده البدن وأعظمه ضررا المسكر فنفعه ليس بضروري وتناوله تسهيل لطريق الشيطان إلى تهييج القوة السبعية وإثارة سلطان الهوى كما قال تعالى « 2 » : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ « 3 » وقد قيل حيث يسكن الشراب واللهو لا تسكن العفة والحكمة . فإن قيل فقد قال تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ « 4 » فلم يخص من الحلال قدرا دون قدر ولا جنسا دون جنس ؟ قيل
--> ( 1 ) هو في معنى ما رواه الترمذي عن مقدام بن معد يكرب سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » . قال عنه : هذا حديث حسن صحيح . الترمذي / الزهد باب / 47 / حديث / 2380 . ( 2 ) « وتناوله تسهيل لطريق الشيطان إلى تهييج القوة السبعية وإثارة سلطان الهوى » سقطت من ط وحدها . ( 3 ) المائدة / 91 . ( 4 ) الأعراف / 32 .